أحدث المواضيع

2011/08/28

غلاء الأسعار والفساد أيّام الثّورة التونسية .


    يبدو كثيرون في تونس اليوم يدفعون التّهمة عنهم باتهام الآخرين . فالواحد منهم اليوم يريد أن يقول أنا بريء من الفساد ، ولكنّ المنطق الذي يراه مناسبا لتبرئة نفسه ما هو إلاّ إلصاق التهمة بغيره . وهذا لا يعني طبعا أنّ الجميع مورّطون ، ولكن النّظر إلى الرّاكبين على الثّورة يدفع المرء إلى الكثير من التّعجّب . ولنا في شريحة كبيرة من التّجّار ، والدّخلاء على ميدان التّجارة في الأيّام الأخيرة ، مثال لا ينكره المواطن البسيط الّذي اكتوى بغلاء الأسعار وأصبح عاجزا عن توفير أبسط متطلّبات الحياة . لقد رأينا تجّار الإسمنت مثلا يحتكرون هذه المادّة على أهمّيّتها ، ويرمون بكلّ القيم الإنسانية والأعراف والأخلاق المهنيّة عرض الحائط ، ولم يعد يهمّهم سوى الرّبح الكبير والسّريع على حساب جيب المواطن المنهك أصلا من السّنوات العجاف .
    ثمّ دخلت أطراف أخرى من المتسلّقين والمصطادين في المياه العكرة على هذه التّجارة فأخذت تحتكر مادّة الإسمنت مؤمنة أنّ الثّورة ليست سوى فرصة للإثراء وملء الجيوب وتقوية الأرصدة في البنوك . حتّى تجاوز ثمن كيس الإسمنت عتبة العشرة دنانير بعد أن لم يكن يتجاوز السّتّة . والأدهى من هذا أنّ المواطن العاديّ لم يتّخذ موقفا من هذا ، ولم يفكّر مثلا في مقاطعة هذه السّلع حتّى حين .
    والسّؤال الموجّه إلى هؤلاء هو : أين أنتم من الإسلام ؟ إنّا نرى كثيرين منكم يتزاحمون على المساجد . فهلاّ خشيتم اللّه قبل أن تخشوا الفقر ؟ ثمّ أين أنتم من الثّورة ؟ أم أنّ الثّورة بالنسبة إليكم موت الجميع لتحيوا ؟ ربّما يعود الأمر إلى أنّ هذه السّلوكات السّيّئة أصبحت عادة وطبعا فيكم بتقادم عهد الفساد . ولكنّ الّذي لا نشكّ فيه للحظة واحدة هو أنّ اللّه بالمرصاد لكلّ جبّار عنيد . فهل أنتم منتهون قبل أن يأتي يوم  توفّى فيه كلّ نفس ما عملت وهم لا يظلمون ؟ وإنّ لكم في سقوط أصنام الفساد والطغيان رغم قوّتها ومنعتها لعبرة فاعتبروا  . مع العلم أنّه لو استقام هؤلاء ثمّ استقام غيرهم لاستقامت الدّنيا ولكانوا أوّل المستفيدين . 

2011/08/17

إن كان ولا بدّ من الحيف

إن كان ولابدّ من الحَيْف .

في الصّيْفْ ،
عمّي يحمل منجلَهُ ..
لا خوْفْ ..
يحصد سنبلَهُ ..
كي يدرِسَهُ ..
كي يطحنهُ ..
كي يأكلَهُ ..
عمّي في البيدرْ ..
ينظرْ ..
يتبخترْ ..
يذرو حبّات القمح
يصفّيها من تبنٍ
ويغنّي ..
ويهلّل ..
ويكبّرْ ..
في جمع من إخوانْ ،
أو جيرانْ ..
يعمل ، لايَفتُرْ .
لا خوْفْ ..
عمّي يجمع كدسا من حبّ أسمرْ ،
يكتب فيه بإصبعه
بسملةً ..
كي يكثرْ
هذا القمح
ليُهديَه حُبّا للضّيْفْ ..
وليأكله أبناء كالجوهرْ ..
ما أجمل هذا الكدس
يا عمّي .. ما أجملَهُ ..
عمّي يجمع منه زكاة يعرفها ..
لا يبخسها أبدا ..
عمّي يختار لها ممّا يجمع أفضلَهُ ..
ما أكرم عمّي
ما أعدلَهُ
* * *
عمّي ينتظر الأمطارْ
كلّ نهارْ ..
يستبشر حين يرى سُحُبَا ..
يدخل للدّارْ ..
يخرج مرتقبَا ..
لا خوْفْ ..
يعرف أنّ اللّه لن يخذلَهُ ،
يعرف أنّ الحيْفْ
لن يشملَهُ .
وتجود السحب بماء منهمِرِ ..
يخرج عمّي
يدخل ..
ينظر في حذرِ ،
يحمد خالقه
من قلب أصفى من ماء المطرِ ..
وتجود له الزّيتونة بالحَبّْ ..
فيجود لها بالحُبّْ ..
وتراه يعانقها ،
ويشمّ غدائرَها ..
ويمرّغ فيها يده ،
ويقبّلها من كلّ القلبْ .
* * *
سبعون ونيْفْ ..
عمر ما أكملَهُ ..
أفيذكر عمّي أوّلَهُ ؟
أم يذكر منه شباب كالطّيْفْ ،
وحنان أب قد دلّلَهُ .
والآن .. عمّي يعمل ،
لا يدري ..
لا خوْفْ ..
إنّ الخوْفْ .. لن يخذلَهُ ..
عمّي لا يعرف أنّ الدّنيا
فيها شيْءْ
لو فسّرناه له لن يعقلَهُ ،
فيها زرّْ ..
فيها خوْفْ ..
قد يفنينا في لحظاتْ ،
ما ألطف عمّي ،
ما أفضلَهُ ..
* * *
يا دنيا إن كان ولا بدّ من الحيْفْ ،
أو كان ولا بدّ من الموت
بالذّرّة .. أو بالسّيْفْ ..
فعمّي لا دخل لَهُ ..
عمّي ..
لا دخل لَهُ .

المتسلّق

المـتـسـلِّـق

وضع الرّجل اليمنى في غصن من أغصان الشّجرهْ ..
ورنا للأعلى :
ألْفا ثَمَرَهْ ..
بسمل كي يعتقد النّاس به خيرًا ..
ومضى يصعد كالحشَرَهْ ..
وجد الأفعى ترمقهُ ..
خاتلها .. ثمّ انقضَّ عليها ..
ولواها كالحبل على فرع ..
أوثقها .. ومضى عنها منكسِرَهْ ..
والعصفور على العشّ .. يضمُّ فراخا ..
أفزعه .. ورمى بالقدم اليسرى في العشّ ..
ومرّ .. وقد ركّز في الأعلى بصَرَهْ ..
مرّ على بيت النّحل ..
مدّ إليه يدا يسرى ..
نزع البيت عن الأغصان ..
واحتفظ به في سلّته ..
وإذا بالنّحل يهيج عليه
وقد لاحظ مرتاعا ضرَرَهْ ..
لكن لا جدوى ..
لم يلق سوى جلد أشبه بالتّمساح
وقلب كالحجَرَهْ ..
مرّ على الدّودة ..
والنّملة ..
والحلزون ..
مرّ على الحرباء ..
على السّنجاب ..
على حشرات الظّلّ ..
على حشرات النّور ..
فما حوّل عمّا يطلب نظَرَهْ ..
وتسلّق ..
وتعلّق ..
وتملّق ..
حتّى ذاق الثّمر
وحمّل في بطن فرد
ما يحمله عَشَرَهْ .
وتجشّأ ..
فارتاع الطّير من الغاب
وطار بعيدا ..
كي يتلافى خطَرَهْ ..

عروس السلام

عروس السّلام .

جلست على الكرسيّ الطّائر .. ثمّ طارت إلى الفضاء .. تبعها الفراش مكوّنا جملا هندسية رائعة .. وتناثر حولها رذاذ من النّدى الملوّن .. فشهق الرّبيع من جمال المشهد .. وتابعته أعين عذارى النجوم من خلف الحجاب الأزرق البديع في سماء الدنيا .. وهي تهنّئ الدّنيا بهذا الموكب التّاريخيّ .. ثمّ طار الحمام في كلّ أنحاء المعمورة ، وجاء مستقبلا عروس السلام .. وقد صار جميعا في زيّ  طبيعيّ موحّد بأجنحة بيضاء كالثلج .. ورشّت السّحابة الورديّة على الموكب عطر  المحبّة .. فتعانق النّاس جميعا على الأرض .. وتنادى الحيوان مسبّحا بحمد ربّه .. وحلّ السّلام نورا أخضر شفّافا .. فغلّف الدّنيا .. وهنا نظرت عروس السّلام إلى أعلى فانطلقت الشّهب بكلّ ألوان الوجود مندفعة في السّماء ، محدثة موسيقى عذبة اللّحن ، سحريّة النّغم .. فندّت عن كلّ الكائنات الموجودة في هذا الموقف ضحكات الفرح الحارّ .. ولم يعد يشغل ضمير الكون غير هذه اللّحظة .. فأخلى سبيل الزّمن كلّه واحتفظ بها .. فهي متواصلة إلى الأبد .

القمّة العلياء

القمّة العلياء .
الطّيـر مستمـع  صـدى  أنغـامـه
جذلان  متّخـذ  الكهـوف  معابـدا
أو طـائـر في الجـوّ ينظـر مشهـدا
في  الأرض ممتلـئـا رؤى و مشاهـدا
والقمّـة العليـاء  شيـخ  هـائــل
مـن بـاحـة الأفلاك  بـادر عائـدا
حـتّى إذا بلـغ البسيطـة بــادرت
لتبـوس رجليـه  الهضـابُ  خـرائدا
فأثـار إعجـاب  الجمـال  جمــالُه
والحـائطات بـه فأصبـح جـامـدا
أقبـلتُ أبحـث في الجبـال  فخلتنـي
ألـقى بهـنّ صوامـعـا و مسـاجدا
والوحـشُ بعضٌ نـام أصبـح داعيـا
والبعـض بـات ، ونمتُ فيها ، هاجدا
وصروح قـوم قـد تمـادوا  في  الغنى
فيها قـد اتّخـذوا الزّهـور وسـائدا
وجـوارح الطّير  احتملـن فرائـسـا
وجعلن مـن صلـب  الصّخور  موائدا
واللّـيل داخل والنّهـار شعـابـهـا
فتجمّعـا فيهـا فصـارا واحـــدا
والظّلّ  ممتـدّ البســاط ، كأنّـمـا
طردتـه شمـسٌ  فاستـقـرّ  معانـدا
أكرِمْ بمـاء قـد شربـت زلالـــه
فوجـدتُ غـلّ الصّـدر يُنـزع باردا
ولقـد صحبت مسيله  فمضـى إلـى
طـرف البـلاد  و خـرّ يبكي ساجدا
سامح  شقيّا ، يا تراب ،  بخطـــوه
خطـو الوليـد  أصـاب  منك الوالدا
واجمـع لـه مـن طيب عطرك  علّـه
يلقى بـه  مـا كان قبلــك فاقـدا
ضَعُف الزّمـان فطلّقتـه سـاعتــي
و المال فـي جيبـي  تأوّه  كـاسـدا
و نشقتُ مـن زهـر الجبال أريجــه
فوجدت في نفسي  السّــرور  قصائدا
مدحـا أتيه بـه ، فأُصبـح  زائــدا
فتزيله حكَـم ، فأمســي زاهــدا
ولقـد تسلّقت  المكـان  إلى الـذّرى
فرأيت  كـلّ الشّـرّ  زال  مبـاعـدا
في قمّـة الدّنيـا وقفتُ ، فلو  مضـى
نحـوي الفنـاء لضـاع تحتـي صاعدا
شاهدت خلق الرّيـح  كيف  تفتّقـت
عنهـا شفاه الكـون تطـرد  كـائدا
و رأيت أفكـار  المسـاء  كئيـبــة
ضرب النّهـار بهـا المـدائن  عـامدا
والحبّ يرنـو للمجـرّة صــارخـا
والكره شـدّ عليـه يخنـق سـاعـدا
إنّـي صعدت الطّفل يجهـل نفســه
فكبرت حـالا ، فانقلبـت الرّاشـدا.