المقامة الساسانيّة ( بديع الزمان الهمذاني )
حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَحَلَّتْنِي دِمَشْقَ بَعْضُ أَسْفارِي، فَبَيْنَا أَنَا يَوْماً عَلى بَابِ دارِي، إِذْ طَلعَ عَلَيَّ مِنْ بَنِي سَاسانَ كَتِيبَةٌ قَدْ لَفُّوا رُؤُوَسُهمْ، وَصَلَوْا بالْمَغْرَةِ لَبُوسَهُمْ، وَتَأَبَّطَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَجَراً يَدُقُّ بِهِ صدْرَهُ، وَفِيهِمْ زَعِيمٌ لَهُمْ يَقُولُ وَهُمْ يُرَاسِلونَهُ، وَيْدعُو وَيُجَاوبُونَهُ، فَلَمَّا رآني قَالَ:
أُرِيدُ مِنْكَ رَغِيفـاً *** يَعْلُو خُواناً نَظِيفـاً
أُرِيدً مِلُحاً جَرِيشـاً *** أُرِيدُ بَقْلاً قَطِيفـاً
أُرِيدُ لَحْماً غَريضاً *** أُرِيدُ خَلاً ثَقِـيفَـاً
أُرِيدُ جَدْياً رَضِيعـاً *** أُرِيدُ سَخْلاً خَرُوفَا
أُريدُ مَاءً بِـثَـلـج *** يَغْشَى إِناءً طَرِيفاَ
أُرِيدُ دَنَّ مُـــدَامٍ *** أَقُومُ عَنْهُ نَـزِيفَـا
وَسَاقِياً مُسْتَهَـشّـاً *** علَى القُلُوبِ خَفِيفَا
أُرِيدُ مِنْكَ قَمِيصـاً *** وَجُّبةً وَنَصِـيَفـا
أُرِيدُ نَعْلاً كَثِـيفـاً *** بِها أَزُورُ الكَنِيفَـا
أُرِيدُ مُشْطاً وَمُوسَى *** أُرِيدُ سَطْلاً وَلِيفَـا
يَا حَبَّذَا أَنا ضَـيْفـاً *** لَكُمْ وَأَنْتَ مُضِيفـا
رَضِيتُ مِنُكَ بِهَـذا *** وَلَمْ أَرِدْ أَنْ أَحِيفـاً
يا فَـاضِـلاً قَـدْ تَـبَـدَّى *** كَأَنَّـهُ الـغُـصْـنُ قَـدّاً
قَدِ اشْتَهى اللَّحْمض ضِرْسِي *** فَاجْلِدْهُ بِالخُـبْـزِ جَـلْـداً
وامنُـنُ عـلَّـي بِـشَـيءٍ *** واجْعَلْهُ لِلْـوَقْـتِ نَـقْـداً
أَطْلِقْ مِنَ الـيِدِ خَـصْـراً *** واحْلُلُ مِنَ الكِيسِ عَـقْـدا
واضْـمُـمُ يَدَيْكَ لأَجْـلـي *** إِلَى جَـنَـاحِـكَ عَـمْـداً
هَذا الزَّمَانُ مَشُـومُ *** كَمَا تَراهُ غَشُـومُ
الحُمْقُ فِيهِ مَـلِـيحٌ *** والعِقْلُ عَيْبٌ وَلُومُ
والمَالُ طَيْفٌ، ولكِنْ *** حَوْلَ اللئَّامِ يحـومُ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق